السيد محمد حسين الطهراني

110

رسالة بديعة في تفسير آية الرجال قوامون على النساء

علوم المعاملة لا تراد إلَّا للعمل ، بل لولا الحاجة إليه لم يكن لها قيمةٌ . وحينئذٍ فنقول : المُحكِم للعلوم الشَّرعيّة ونحوها إذا أهمل تفَقُّدَ جوارِحِه وحفظَها عن المعاصي وإلزامها الطَّاعات ، وترقِّيها من الفرائِض إلى النوَّافل ، ومن الواجبات إلى السُّنَن ، اتِّكالًا على اتِّصافه بالعلم وأنَّه في نفسه هو المقصود ، مغرورٌ في نفسه ، مخدوعٌ عن دينه ، يلبس عليه عاقبة أمره » . ثمَّ مثَّل هذه المغرورَ بالمريض وَشَرحه شرحاً نافعاً بما لا مزيد عليه « 1 » . أقول : فإذن العلماءُ ثلاثةٌ ؛ عالمٌ بالله ، وهو الذي تشرَّف بلقائِه تعالى ، وأدرك توحيدَه الذَّاتيّ والصَّفاتيّ والأفعاليّ . وعالمٌ بأمر الله ، وهو الذي تعلَّم من العلوم الرَّسميَّة التَّفكيريَّة قدراً يعلم به الأحكامَ الجزئيَّة في العبادات والمعاملات والسِّياسات وغيرها . وعالمٌ بالله وبأمر الله وهو الذي تجلَّي في قلبه أنوار الملكوت ، فخرج عن حبِّ الدُّنيا في حضيضِ النَّاسوت ، وانشرح صدره للإسلام ، واتَّسع قلبه للقَبول ، وتلقَّى النَّفحات السُّبحانيَّة من عالم الجبروت ، فصار من أهل التَّوحيد في ذِروة اللَّاهوت ، وعرف ربَّه بربِّه ، وعرف الخلقَ بربِّه ؛ فصار فانياً في ذاته تعالى باقياً ببقائِه ؛ فسار في الخلق بالحقِّ ، وتمَّ له الأسفار الأربعة ؛ وهو العالم بالله وبأمر الله ؛ وهذا هو الذي أشار إليه الحُسَين - صلوات الله عليه - : « بأنَّ مَجارِي امُورِ وَالأحْكَامِ على أيْدِي الْعُلَماءِ بِاللهِ الامَناءِ على حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ » . فالعلماءُ بالله وبأمر الله هم المخصوصون بمزيد لطفه ، بإدخاله إيَّاهم في حرم قدسه ، وإشرابهم من صافي زلال علمه ، وإفهامهم العلومَ الإصطلاحيَّة بنورٍ إلهيّ منه عن تحقيقٍ وشهودٍ .

--> ( 1 ) « منية المريد » طبع الرَّحلي على الحجر ، ص 16 وص 17 .